كتبه : الأستاذ فاروق بن زيمه رحمه الله

 

كتاب ” الجنوب العربي في وقت الشدة ” لمؤلفه الأستاذ الشهيد عبدالله الجابري يرحمه الله ، في هذا الكتاب الذي صدرت طبعته الأولى في بيروت 1969م كانت القضية التي يتهرب منها اليمنيين شماليين أو جنوبيين حاضرة في مساحة شاغرة من صفحات الكتاب الذي منع صنعاء كما منع في عدن ، الكتاب تحدث بتفصيل عن عدم وجود الثورتين السبتمبرية والاكتوبرية في الشمال والجنوب معاً ، فقد احتوى الكتاب على حقائق دامغة تكرس أن ما حدث في اليمن لم يكن في مضمونه ثورة وإنما جزء من تبادل سياسي داخل الأسرة الحاكمة في اليمن الشمالي ، وان ما حدث في اليمن الجنوبي هو مسلسل ( هزلي ) كان أحد الممثلين فيه الرئيس المصري جمال عبدالناصر الذي لعب دوره المطلوب بريطانياً …

ما يهمنا هو هذا الجزء الأخير ، ففي العام 1964م وصل الرئيس المصري جمال عبدالناصر إلى مدينة تعز ليعلن دعمه الكامل لما كان يسمى بثوار الجبهة القومية في الجنوب العربي ، قبل الزيارة التي أخذت زخماً عالياً بتأثير الإعلام المصري والعربي القومي كانت بريطانيا العظمى قد أعطت ممثل المفاوضات عن رابطة الجنوب العربي الأستاذ شيخان الحبشي يرحمه الله وعداً بالجلاء عن عدن ومحمياتها في الجنوب العربي ، بل أن بريطانيا العظمى قد حددت موعد الجلاء بالعام الميلادي 1969م ، وحتى قيام ما سمي بالجمهورية العربية اليمنية في سبتمبر 1962م جاء معها انقسام رابطة أبناء الجنوب العربي حيث استقل قحطان الشعبي وعبدالفتاح إسماعيل وكونوا ما يسمى ( الجبهة القومية ) التي عززت وجودها في عدن والمحميات الأخرى عبر كوادر تم تجنيدها بواسطة أموال بريطانية ، ولم تظهر حركتها بشكل واضح على الأرض إلا في العام 1965م …

كان الهدف البريطاني هو الالتفاف على مفاوضات جنيف والقاهرة التي أدخل
فيها شيخان الحبشي المندوب السامي البريطاني مستر براون في مأزق
تفاوضي صعب كما ذكرنا سابقاً تمثل في التعويضات المالية لمحمية بريطانيا
العظمى مدينة عدن عن احتلالها على مدار 128 عاماً ، لذا وجدت بريطانيا
في شق صف الرابطة حلاً لخروجها من المفاوضات ووجدت دعماً من كل من
الجمهورية المصرية العربية والجمهورية العربية اليمنية لإقامة دولة لا
تمثل الجنوب العربي بهويته وتاريخه ونضاله السياسي بل تكون امتداداً
سياسياً للجمهورية العربية اليمنية ، وهذا ما عبر عنه بشكل صريح السيد
قحطان الشعبي في خطابه السياسي الذي ألقاه في يناير 1968م في مدينة
سيئون عندما تحدث بأن نهاية المطاف لابد وأن يكون الجنوب العربي امتداداً لليمن سياسياً …

لدى الحضارمة موقفهم ، ومنهم الأستاذ عبدالله الجابري يرحمه الله ،
فالرجل الذي اعترض على استقلال اليمن الجنوبية كان شرساً صارماً في
رأيه السياسي حيال المؤامرة على الجنوب العربي وحضرموت ، فالرجل
الذي خرج فاراً من سجنه في سيئون بعد المؤامرة بمساعدة الكولونيل صالح
بن سلعان الجابري ليذهب مع البدو في صحراء الربع الخالي متوجهاً إلى
مدينة جدة غرب المملكة العربية تحدث بإسهاب عن المؤامرة التي حلت
بالوطن الحضرمي ، تعز وطرح عن ألعوبة الرئيس المصري جمال عبدالناصر
الذي جاء إلى مدينة داعماً لثوار الجنوب العربي بعد أن أعطت بريطانيا
العظمى وعداً بالجلاء مما ينفي أصل الثورة من أساسها …

الحضرمي الشنفري الجابري كان الأول الذي لم يداهن في كل أطروحاته سواء ما يتعلق بالعرب أو حتى بموطنه الحضرمي ، هذا الجابري الذي كتب مقالة بعد أول قمة عربية تعقد نشرتها صحيفة الشرق الأوسط تمنى في تلكم المقالة الملتهبة أن تعقم نساء العرب جميعاً إن كنّ سينجبن كهؤلاء القادة العرب ، بهذه المقالة صدر في العام 1964م قرار إبعاده عن الأراضي السعودية ليذهب إلى عدن ويناضل ضد بريطانيا والجبهة القومية ليجد نفسه مسجوناً في سجن ـ فقيشة ـ بسيئون ، ثم يتم تحريره ليعود إلى السعودية ويمكث في مدينة نجران حتى صدر أمر العفو عنه من جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز عاهل المملكة السعودية آنذاك ، ولكنه لم يستكين فكان حضوره اللاهب عنواناً بارزاً فيما تبقى من حياته حتى أنه كان بين الملك فهد يرحمه الله والأمير سلطان واخذ بينهم يتساءل عن جدوى دعم المملكة السعودية للمسلمين المضطهدين في آسيا وترك حضرموت تحت حراب الملحدين القادمين إليها من اليمن ، كانت له جرأته وقدرته على خوض غمار المعارك الفكرية نضالاً لموطنه الحضرمي …

فكرة عبدالله الجابري لم تكن مستساغة ، فمناداته باستقلال حضرموت حملت أبعاداً أخرى ارتكزت على الخلاص من اليمن والإلحاد الذي جاء مع ما يسمى ثورة أكتوبر ، فالفكرة كانت استقلال حضرموت ثم تسليمها بالكامل للمملكة العربية السعودية بل أنه كان يتمنى أن يحظى تحظى حضرموت بأمير سديري ، فكما وصفهم بأنهم أهل إمارة وحكم …

هذه الفكرة لم تجد أصداءً تذكر في كل طبقات الحضارمة في المهجر كما هو في الوطن ، فدواعي الاستقلال كانت وستظل هاجساً حضرمياً لكنه هاجس مستقل لا يمكن تجييره بحال من الأحوال إلى أي من دول الجوار المحيطة بحضرموت ، حتى وإن احتملت دول الجوار قدرة على احتواء حضرموت تاريخاً وحضارة وثروةً وإنساناً وهوية ، هذه الفكرة ظلت حبيسة نفسها إلا أن بواعثها كانت وستظل أيضاً هي المحفز لإطلاق حضرموت وطناً لابد له أن يرى الاستقلال الوطني …

وإن تنامت فكرة الجابري في الأجيال الحاضرة في المهاجر الحضرمية حالياً بسبب أن حضرموت ومنذ أربعين عاماً تعيش في وضع خارج عن حضورها التاريخي الملزم لوجودها والقادر على مدها بجسور صلبة يمكنها من خلال تلكم الجسور أن تلعب أدوارها التي عطلتها المؤامرة الملعونة عنها أربعين عاماً أرهقت الوطن الحضرمي وهي الآن ومع حلول الذكرى الأربعين على احتلالها تعيش أزمة خاصة بتبدل مفاهيم الحياة العصرية ، فمع الواقع المر لا يمكن وضع حضرموت في القرن الحادي والعشرين بل هي تعيش القرن الرابع عشر أو غيره من القرون …

أنموذج الأستاذ عبدالله الجابري كان فاعلاً في المهجر الحضرمي ، فعاليته بلغت أنه شكل خط المواجهة الرئيسي ضد الوجود الشيوعي في حضرموت والجنوب العربي ، هذا الاجىء الحضرمي واجه زيارة سالم ربيع علي للمملكة السعودية بكثير من الجسارة وكتب في صحيفة المدينة مقالة عنوانها ( لن تطأ أرض التوحيد يا ملحد ) كانت المقالة لاهبة جداً حتى أنها حققت هدفها فعندما وطئت أقدام سالم ربيع علي الأراضي السعودية كانت روح البطل الحضرمي عبدالله الجابري قد فارقت جسده بعد أن اغتيل غيلة في الرياض العاصمة السعودية …

دخلت اليمن لأول مرة إلى حضرموت عبر رأس الملحدين الكافرين بالله ورسله وكتبه ، وها هي تعاود السرد لحكايتها الباطلة من باب التوحيد والإيمان بأن الإيمان يمان ، وصدق الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه ” لستُ بالخب لست ولا الخب يخدعني “