“علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل”
هكذا يعلمنا ويرشدنا الفاروق أمير المؤمنين الخليفة «عمر بن الخطاب» رضي الله عنه، من هذا المنطلق جسد الأجداد ذلك على أرض الواقع من مئات السنين.

والقناصة عبارة عن رحلة صيد برية، يقوم بها الأهالي في منطقة ما من الريف الحضرمي، والذي يشتهر بجباله الشاهقة، ومراعي أوديته والتي تشتهر بوجود «الوعول»، ويشترط لمن يريد الذهاب لرحلة قناصة «الوعول» أن تكون لديه القدرة على تسلق الجبال، وتحمل مشقة المشي فترات طويلة.

وللقناصة طقوس وعادات، يعد الخروج عنها انتهاكاً يعاقب عليه من يخرج وينتهك هذه العادات والطقوس، بحرمانه من الذهاب في رحلات القناصة،
وكذا هجره من أعيان ومشائخ ومقاومة المنطقة فترة محددة من الزمن.. ويتم التركيز خلال الرحلة على ذكور« الوعال» دون الأنثى، التي يتم غض الطرف عنها دائماً..

وكذا «الوعل» حديث الولادة.. وما يؤكد تمييز كل ذلك للقنيص هو «القشعة» وهي مقدمة الرأس والقرون المنصوبة عليه. فحجمها وبروزها يبين جنس «الوعل» ذكراً أو أنثى أو حديث الولادة..
فكلما كانت «القشعة» كبيرة تم استهداف «الوعل» فهو الغاية والمطلوب. كما تبين عدد فقرات هذه القرون سن «الوعل»..
والرحلة إلى القناصة تستغرق عادة من ثلاثة إلى خمسة أيام .. ولها أودية وجبال معروفة ومقسمة قديماً بين المناطق كل يعرف حدوده ولا يتعدّاها لحدود الطرف الآخر.. ولها مواسم محددة في فصلي الشتاء والربيع ولا تزيد على ثلاث رحلات خلال العام..
كما يوجد تقليد آخر يشذ عن القاعدة هو أنه اذا تمت رؤية «الوعال» في أحد الأودية أو الجبال المجاورة للمنطقة من رجل عاقل راشد ثقة،  يبلغ الخبر مباشرة إلى منصب المنطقة أو المقدم أو الشيخ ويطلق عليه ابو القنيص ويخضع لسلطته مجلس يتكون من ثمانية، ويعتبر هذا المجلس المسؤول الأول والأخير عن تنظيم كل شاردة وواردة في القناصة..
وبعد التأكد من ثبوت وصحة الخبر، واكتمال شروط صاحب الرواية، يعقد المجلس اجتماعاً طارئاً، على ضوئه يعلن الخبر على مستوى المنطقة ويحدد موعد التحرك في نفس الليلة مساءً إلى الوادي والجبل الذي تمت فيه رؤية «الوعال»،
وقديماً لاتوجد الاسلحة النارية المتطورة والحديثة، لذا استعان الأجداد «بالشباك» وهي ذات سمك كبير وحبك قوي جداً ومتين ومصنوعة من نوع جيد من الحبال، وتكمن أهميتها في أنها يتم بها سد ومحاصرة مداخل ومخارج الاودية والجبال،
ولها تسميات عدة تطلق عليها حسب أهميتها وترتيبها وتتوزع على قبائل واسر بعينها بالقرعة، من هذه التسميات:
1- المبدّأ.
2- الظهار.
3- الطيال.
4- طيال الطيال.. وغيرها،
وبعد الوصول الى الوادي او الجبل يتم تقسيم القنيص الى مجموعات، لمحاصرة الوادي، ويتم اختيار شخص يطلق عليه «الشنّان» لتمشيط الوادي،
وبعد رؤية «الوعل» تتضافر جهود الجميع لاصابته.. مع العلم انه يتم توزيع حملة البنادق والاسلحة في أماكن خاصة، ومختفون عن الانظار.. وبعد الظفر والنجاح في رحلة القناصة،
تطلق أعيرة نارية ايذاناً بالنجاح.. بعد ذلك ينقل الخبر لأهالي المنطقة، عن طريق شخص متعارف عليه ومحدد سلفاً ومن أسرة محددة حسب الاعراف ويطلق عليه »المبشّر»، وعندما يصل الى المنطقة يطلق العنان لصوته ناقلاً الخبر السعيد للأهالي الذين يستقبلونه بالترحاب، ويجزلون له العطاء.. ويخرج الاهالي عن بكرة أبيهم لاستقبال القنيص، وسط دقات الطبول وزغردة النساء، وتقام الاحتفالات صباحاً وعصراً ومساءً..
يتبارى الشعراء لابراز مواهبهم، وتستمر عدة أيام ويشارك أعيان ومشائخ ومقادمة وأهالي المناطق المجاورة في الاحتفالات كضيوف لهم واجب الضيافة وحسن الاستقبال.

 

  • القناصة بين الركود.. وعودة المجد المفقود:

> تقول بعض المصادر إن القناصة شهدت نشاطاً ملحوظاً مع مطلع عقد الخمسينيات من القرن الماضي حتى مطلع السبعينيات منه، واصبح جزءاً لايتجزأ من تراث بعض المناطق، حيث وضعت لها الضوابط والاسس والقواعد التي على هداها يسير الجميع..
إلا أنه وفي منتصف السبعينيات وعقد الثمانينيات شهدت ركوداً ملحوظاً في مناطق المحافظة كافة، بل كادت ان تختفي من الوجود نظراً للقيود والمحظورات غير المبررة التي وضعها رفاق مرحلة الحكم الشمولي،والمبالغة في الاجراءات الأمنية..
فكانت الرحلات غير منتظمة، وأحياناً فردية، او تعتمد على رؤية «الوعال»، هذه الظروف اسهمت في اختفاء هذه العادة، إلا ماندر منها..  وفي مناطق محددة بعينها مثل/ مدودة وتاربة من ضواحي سيؤن، او مدينة ساه/ البلاد/ ومناطق غيل عمر بمديرية ساه/ ولكن في نطاق ضيق،  فقد شهدت هذه المناطق خلال هذه الفترة رحلات القناصة واحياناً حالفهم الحظ، وقامت الاحتفالات حسب الاعراف السائدة، ولكن وخلال فترة مايقارب 25 عاماً لم تتعد الرحلات اصابع اليد الواحدة.

وبعد إعلان الوحدة في 22 مايو 1990م بدأ عهد جديد لليمن عامة وحضرموت خاصة، وبدأت عجلة قطار الحرية تدور،  مما كان لها بالغ الأثر في عودة تراث وموروث القناصة دون قيد او شرط، ووفق الاعراف المتعارف عليها.. ومع بعض التعديلات التي لاتضر بالجوهر.. نظراً لبعض الظروف الموضوعية والذاتية،  وانحصرت رحلات القناصة بعد الوحدة المباركة في مناطق مدودة، تاربة، ساه/ البلاد مناطق غيل عمر وبعض المناطق الاخرى بالمحافظة، ولكن في حدود ضيقة للغاية.. وطرأ تغيير جديد على شروط القناصة، وخاصة بعد ان انتشرت شركات النفط العاملة في بعض مناطق المحافظة سواء في المسيلة وغيرها، وهذا اثر سلباً على المراعي وقلل من وجود «الوعال»..

لذا وبعد ان تفاهم الجميع، واتفقواعلى ان الاودية والجبال ملكاً للجميع دون استثناء، مع ضرورة التنسيق مع من تقع الاودية والجبال في حدوده،وهو امر مهم لضمان تنظيم القناصة وعدم تداخل ووجود اكثر من فرقة في موقع واحد، وكذا ترتيب امور مرشد له خبرة في الاودية والجبال، لمن لايعرفونها لضمان امنهم وسلامتهم..
ومن ابرز الاودية التي يذهب إليها وتشتهر بالمراعي الخصبة وتتكاثر فيها «الوعال» هي وادي عدم، بفروعة المختلفة بمديرية ساه، وادي تمران،وادي شريوف، وادي الذهب بمنطقة ثيبي بتريم، وادي جعيمة بشبام، وادي تاربة بسيئون وغيرها من الأودية الأخرى المنتشرة على طول وادي وساحل حضرموت.

 

  • المحضار يتغنى في «الوعل»
    شاعر اليمن الكبير -المرحوم بإذن الله- حسين ابو بكر المحضار افتتن بجمال هذا الحيوان البري، واعجب بشجاعته وإقدامه وقوته،
    فصور ذلك في قوالب شعرية غاية في الروعة والجمال، وتجسيداً واقعياً لأهميته في حياة الانسان وعلاقته الحميمة معه..
    جاء ذلك في قصيدة مغناة تحت اسم «مول شوعه»(1) تقول ابياتها :

مول شوعه، مول شوعه وقب ماتوطى من مكانه غلب
بالغلا غيل(2) عامد له عليها موارد
ماتعزه بقوعه(3)
مول شوعه
لاورد يومين عالحوض غب بالجنا(4) والغوش عنده رغب
هوعالفرق قايد والضباء والخرايد
تحت امره وطوعه
مول شوعه
مايبالي بالشبك لاانتصب لاتربع فوق حاجب غصب
وإن دكى عالسواعد مر بعي(5) له عوايد
الوعر مايصوعه
مول شوعه
وإن لقيته بعد طول التعب فر والأمر مني جنب
وإن تحدى وعاند جاه بندقي بارد
ماتحر في ضلوعه
مول شوعه
ليه نافر ماعرفت السبب كلما شم الذخيرة هرب
لاسنا(6) الواد صاعد فيه يلقي منافذ
قده يعرف فروعه
مول شوعه
ماتربى عالحبض واللثب يقطف إلا الغصن مول الشعب
من عدم إلى سارود(7) مايشوف المقالد
او حفر باسبوعه
مول شوعه

فقد ابدع المحضار في نقل صورة شعرية حية نابضة بالحركة والحيوية موضحاً حجم المقاومة العنيفة والصراع بين «الوعل» ومن يتربص به في الاودية والجبال،
وهنا ولتوضيح الصورة التي استخدم فيها المحضار لهجة عامية نوضح معاني بعض العبارات:

1- شوعه وقب : تعني قرون منحنية 2 – الغلاغيل : موقع معروض مرتفع
3- بقوعه : موقع ايضاً ساحلي 4- الجنا والفوش : المراعي الخصبة.
5- مر بعي : من اسماء الوعول. 6- سنا : نحو
7- عدم، لسارود، المقالد، باسبوعه : هذه اودية ومواقع معروفة تتواجد بها الوعول.

 

 

المصدر : مجلة حواء حضرموت